محمد بن جرير الطبري

35

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

القول في تأويل قوله تعالى : أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلاماً يقول تعالى ذكره : هؤلاء الذين وصفت صفتهم من عبادي ، وذلك من ابتداء قوله : وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً إلى قوله : وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا الآية يُجْزَوْنَ يقول : يثابون على أفعالهم هذه التي فعلوها في الدنيا الْغُرْفَةَ وهي منزلة من منازل الجنة رفيعة بِما صَبَرُوا يقول : بصبرهم على هذه الأفعال ، ومقاساة شدتها . وقوله : وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلاماً اختلفت القراء في قراءته ، فقرأته عامة قراء أهل المدينة والبصرة : وَيُلَقَّوْنَ مضمومة الياء ، مشددة القاف ، بمعنى : وتتلقاهم الملائكة فيها بالتحية . وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة : " ويلقون " بفتح الياء ، وتخفيف القاف . والصواب من القول في ذلك أن يقال : إنهما قراءتان مشهورتان في قراءة الأمصار ، بمعنى واحد ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب ، غير أن أعجب القراءتين إلي أن أقرأ بها " ويلقون فيها " بفتح الياء ، وتخفيف القاف ، لأن العرب إذا قالت ذلك بالتشديد ، قالت : فلان يتلقى بالسلام وبالخير ، ونحن نتلقاهم بالسلام ، قرنته بالياء ، وقلما تقول : فلان يلقى السلام ، فكان وجه الكلام ، لو كان بالتشديد ، أن يقال : ويتلقون فيها بالتحية والسلام . وإنما اخترنا القراءة بذلك ، كما تجيز : أخذت بالخطام ، وأخذت الخطام . وقد بينا معنى التحية والسلام فيما مضى قبل ، فأغنى عن إعادته في هذا الموضع . القول في تأويل قوله تعالى : خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً . . . فَقَدْ كَذَّبْتُمْ يقول تعالى ذكره : أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ، خالدين في الغرفة ، يعني أنهم ماكثون فيها ، لابثون إلى غير أمد ، حسنت تلك الغرفة قرارا لهم ومقاما . يقول : وإقامة . وقوله : قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي يقول جل ثناؤه لنبيه : قل يا محمد لهؤلاء الذين أرسلت إليهم : أي شيء يعدكم ، وأي شيء يصنع بكم ربي ؟ يقال منه : عبأت به أعبأ عبئا ، وعبأت الطيب أعبؤه : إذا هيأته ، كما قال الشاعر : كأن بنحره وبمنكبيه * عبيرا بات يعبؤه عروس يقول : يهيئه ويعمله يعبؤه عبا وعبوءا ، ومنه قولهم : عبأت الجيش بالتشديد والتخفيف فأنا أعبئه : أهيئه . والعبء : الثقل . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي يصنع لولا دعاؤكم . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي قال : يعبؤا : يفعل . وقوله : لَوْ لا دُعاؤُكُمْ يقول : لولا عبادة من يعبده منكم ، وطاعة من يطيعه منكم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْ لا دُعاؤُكُمْ يقول : لولا إيمانكم ، وأخبر الله الكفار أنه لا حاجة له بهم إذ لم يخلقهم مؤمنين ، ولو كان له بهم حاجة لحبب إليهم الإيمان كما حببه إلى المؤمنين . وحدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : لَوْ لا دُعاؤُكُمْ قال : لولا دعاؤكم إياه لتعبدوه وتطيعوه . وقوله فَقَدْ كَذَّبْتُمْ يقول تعالى ذكره لمشركي قريش قوم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كذبتم أيها القوم رسولكم الذي أرسل